الثقافة بمعناها الأوسع هي " مجموع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية الخاصة، التي تميز مجتمعاً بعينه أو فئة اجتماعية بعينها وهي تشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة والإنتاج الاقتصادي، كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات"[1].
ومن هنا فإن ثقافة المقاطعة هي أن يتأكد في وجداننا ومداركنا وممارستنا من نقاطع ولماذا نقاطعه وكيف نقاطعه وما هي حدود مقاطعته وتوقيتها وكيف ننقل هذا إلى الآخرين وكيف نشاركهم في هذا الفعل الذي جمع بيننا؟ .. ثقافة المقاطعة كفكر وسلوك وقيم وعادات تنعكس في مأكلنا وفي ملبسنا وفيما نقرأ وفيما نشاهد ونسمع.
ثقافة المقاطعة كثقافة للمقاومة:
تواجه أمتنا العربية والإسلامية هجمة غربية شرسة من الحلف الصهيوني الأمريكي تستهدف شعوبها وخيراتها وهويتـها بل وتستهدف بقاءها ذاته على وجه البسيطة .. وفي مواجهة هذه الهجمة يبرز نهجان: نهج الاستسلام ونهج المقاومة .. ويظن أصحاب النهج المستسلم أنهم بهذا ينجون بأنفسهم وربما بأوطانهم رغم أنهم لا يضمنون النجاة بأنفسهم فما بالنا بالأوطان؟!!! .. وهم يتناسون عن عمد أو عن غفلة أن الحلف الصهيوني الأمريكي لو تمكن منا فإنه لن يرضى إلا بتقسيم أمتنا وشرذمتها وتقطيع أوصالها .. ثم إنه لن يرضى إلا أن نكون عبيدا على أرضنا نعمل لخيره باستنزاف خيرات أوطاننا لصالحه .. فهل تكون هذه حياة؟!!! .. وهل تكون هذه نجاة؟!!! .. ألا بئست الحياة والنجاة التي ينشدونها (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون ) .. ( لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق ).
فهناك نهجان : نهج التطبيع ونهج المقاومة والمقاطعة .. فماذا نختار منهما؟!! .. ليس أمامنا إلا نهج المقاومة التي نستلهمها من ثقافتنا المقاومة في تاريخنا القريب والبعيد والتي حمت الأمة في مواجهة الكثير من الهجمات التي استهدفتها .. وفي هذه اللحظات المصيرية الحرجة علينا أن نتشبث بجذورنا التي تحمينا من الاقتلاع وقت الحاجة للثبات في معركة البقاء.
لقد تداعت ثقافة المقاومة وسطع نورها بقوة في انتفاضة شعبنا المباركة في فلسطين السليبة وفي صموده المستميت للبقاء وتجاوز ذلك بالتنكيل بالعدو الصهيوني وتهديد مصالحه وإرغام البعض منهم على الفرار من تلك الأرض التي اغتصبوها .. ومن هنا قلت الحاجة إلى استدعاء جذورنا التاريخية بعد أن استدعاها إخواننا المجاهدين وأصبحت المقاومة واقعا معاشا تضاءلت أمامه السير والملاحم وأخرجت معنى البطولة من بطون الكتب وحررته من أصفاد التاريخ حتى صار واقعا يمشي بيننا.
ولكن ماذا عن الشعوب العربية والإسلامية؟!!! .. ماذا لو تمكن الحلف الصهيوني الأمريكي من العراق الشقيق ومن بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية التي بثت حضارتها إلى العالم ما يربو على الخمسة قرون؟!!! .. تبحث الشعوب عن منفذ هنا أو هناك .. تبحث عن ثغرة في هذا الاتجاه أو ذاك .. ومن خلال هذه المنافذ والثغرات وثقوب الأبواب الموصدة تبرز بعض أشكال المقاومة وفي المقدمة منها يبرز سلاح المقاطعة كسلاح هام من أسلحة المقاومة والصمود في معركة البقاء التي أشرنا إليها .. إن كل قرش تُشترى به بضائع الأمريكان والصهاينة يتحول إلى رصاص يُقتل به الفلسطينيون.
يقول الدكتور يوسف القرضاوي لقد قلنا للحكام "اقطعوا العلاقات".. فلا يصغون إلينا، لذا فنحن نتوجه للشعوب لكي يقاطعوا المنتجات الأمريكية والصهيونية لأننا نستطيع أن نقاوم عبر المقاطعة الاقتصادية[2] .
يقول البروفيسور روبرت جنسن وهو أستاذ في جامعة تكساس الأمريكية[3]: "أنا ساعدت في قتل فلسطيني اليوم وإذا كنت تدفع ضرائب للحكومة الأمريكية فأنت فعلت الشيء نفسه وإذا لم تغير أمريكا من سياستها فإن الغد لن يختلف عن اليوم" ثم يتحدث عن حجم المساعدات المالية التي تقدمها أمريكا لإسرائيل فيقول: "التقرير الذي أصدره معهد الدراسات الجنوبية يشير إلى أن الحكومة الأمريكية ضخت في السنة التي تلت اتفاقية سلام شرم الشيخ في سبتمبر 1999م ما قيمته 3.6 مليارات دولار من الأسلحة الأمريكية لإسرائيل".
ويمضي في الحديث عن المساعدات المالية والعسكرية التي تقدمها أمريكا لإسرائيل فيقول: "علينا أن نتذكر أن هذه الدبابات (التي تقتل الفلسطينيين) صنعت في أمريكا واشترتها إسرائيل بأموال المساعدات الأمريكية، المقاتلات الإسرائيلية وطائرات الهيلوكبتر وطائرات إف 16 والصقور السوداء والأباتشي والبنادق الآلية وقاذفات الصواريخ والقنابل كلها أيضاً صناعة أمريكة دفعت قيمتها من ضرائبنا ويتم استخدامها لسحق المواطنين الفلسطينيين".
لقد أفتى العز بن عبد السلام ـ رحمه الله ـ بمقاطعة التتار وعدم بيع الأسلحة لهم أو بيع ما يعينهم على قتال المسلمين وهكذا فعل صلاح الدين الأيوبي قبل موقعة حطين عندما أراد أن يوحد المجتمع المسلم ضد الصليبيين الغزاة فأصدر أوامر واضحة بعدم التعامل التجاري مع الصليبيين خاصة في مجال الأسلحة لعظم تأثيرها في المعركة.
إن الغربيين يقاطعون بعض منتجات بلادهم إذا ارتفعت أسعارها للضغط على التجار لتخفيض الأسعار ويفعلون ذلك بانضباط شديد أفلا نفعل ذلك ضد من يساهم في قتل إخواننا اليوم وقد يقتلنا في الغد؟ ثم إن الأمريكان يبذلون جهوداً هائلة لمقاطعتنا… ألا ترونهم يضغطون على روسيا والصين لعدم بيع إيران أسلحة متطورة؟ ألا ترونهم يقتلون العراقيين لأنهم ـ كما يقولون يطورون أسلحة محظورة في عرف الأمريكان. محظورة على المسلمين فقط ومسموح بها لليهود وأعوانهم. أيحق لهم أن يفعلوا بنا كل هذا ولا يحق لنا أن نقاطع بضائعهم دفاعاً عن أنفسنا… نظرة عن الواقع المؤلم للأمة الإسلامية تجعل الفتاوى التي تضج منها السماء تختفي من مجتمعنا فهل نفعل[4]؟.
لقد بات معروفاً في ألف باء السياسة أن المصالح هي التي تحكم علاقات الدول فيما بينها .. ومن هذا المنطلق علينا أن نقرأ مواقف أمريكا تجاه قضايانا المصيرية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية – والقضية العراقية والسودانية - وفي ظل انتفاضة الأقصى الشريف، بمقولة أخرى علينا أن نتساءل ماذا تريد أمريكا منا نحن العرب؟! وماذا نريد نحن منها؟! وما هي المصالح المتبادلة التي بمقدورها - ودون المساس بالثوابت الوطنية والقومية- أن تجعل منا كعرب طرفاً ندياً لأمريكا[5]؟!
للإجابة على سؤال كهذا، جدير بنا أن نشخّص مكامن قوتنا، ومكامن قوة أمريكا باعتبارها المتحكمة بالنفوذ العالمي، والراعي الأول لأمن الكيان الصهيوني، لدينا موارد اقتصادية هائلة – وعلى رأسها النفط - ولدينا أيضاً سوق تجارية شديدة الاتساع، ولدينا مواقع جغرافية شديدة الغنى والحيوية، ولدينا ثقافة تشكل قلب الشرق وروحه.
ولدى أمريكا ما لديها من مواطن القوة والنفوذ، إذن، نحن لنا مصالح وأهداف من وراء العلاقات الندية والمتكافئة مع أمريكا، كما أن لأمريكا الكثير من المصالح والأهداف في بلادنا، هذا أمر يجب أن نسلم به وألا نتجاهله، فأمريكا لن تقف معنا لأننا أصحاب حق وحسب، وإنما ستقف معنا حين تتهدد مصالحها في بلادنا، وكذلك فإنَّ ثقافة المقاطعة محور مهم من ثقافة المقاومة .. وثقافة المقاومة يجب أن تسبق قرار المواجهة.
المقاطعة ضرورة عملية في مواجهة التطبيع:
الإجابة ببساطة لأن العدو تبنى خيار التطبيع معنا بما يخدم مصالحه منذ كامب ديفيد 1977 ولا يمكن رفض هذا التطبيع إلا بالمقاطعة .. ثم إن الحاجة إلى المقاطعة زادت ووسعت دائرتها بازدياد الهجمة الغربية الشرسة التي يشنها الحلف الصهيوني الأمريكي على أمتنا العربية والإسلامية .. ولكن دعونا أولا نضع أيدينا على المخاطر التي تهددنا من التطبيع حتى نستطيع أن نحدد التحديات التي تواجهنا وبالتالي يمكننا تحديد أهداف المقاطعة وغاياتها وإجراءاتها بالتبعية.
يمكن إجمال مخاطر التطبيع فيما يلي[6] :
أ - الآثار السياسية:
1) الاعتراف بحق اليهود في الوجود ضمن دولة مستقلة وحدود آمنة على جزء من أقدس بقاع المسلمين.
2) منع أية مطالب جادة بتحرير الأرض المحتلة وضرب أية محاولة جادة لاسترجاعها واتهامها بأنها عثرة في طريق السلام.
3) إبقاء المنطقة العربية تحت النفوذ الأجنبي وبقاء الوطن العربي مجزءا ومفرقاً (حيث يفصل الصهاينة آسيا عن أفريقيا).
4) شغل العرب عن إسرائيل في حروب إقليمية وطائفية وقومية.
5) فتح المجال لليهود في البلاد العربية لأداء الأدوار التجسس وبذر الفتن وإثارة القلاقل فيها.
6) اكتساب اليهود فعلياً لشرعية الوجود وشرعية الكيان المستقل – عربياً ودولياً.
7) الانفتاح الدولي عليهم وإقامة العلاقات سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وإقرار القبول الدولي لهم.
8) تيسير سبل الحياة والبقاء والازدهار لهذا الكيان المغتصب (الاستقرار السياسي).
9) ضرب التيارات الإسلامية والوطنية والقومية ورموزها لما لها من دور جادٍّ وصادق في توعية الجماهير بخطورة ا
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ